محمد بن جرير الطبري

313

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

للكفر والضلالة اللذَيْن أخذاهما بتركهما ما تركا من الهدى ، وكان الهدى الذي تركاه هو الثمن الذي جعلاه عوضًا من الضلالة التي أخذاها . وأما الذين تأوَّلوا أن معنى قوله " اشْتَرَوْا " : " استحبُّوا " ، فإنهم لما وَجدوا الله جل ثناؤه قد وصف الكفّار في موضع آخر ، فنسبهم إلى استحبابهم الكفرَ على الهدى ، فقال : ( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ) [ سورة فصلت : 17 ] ، صرفوا قوله : ( اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ) إلى ذلك . وقالوا : قد تدخل " الباء " مكان " على " ، و " على " مكان " الباء " ، كما يقال : مررت بفلان ، ومررت على فلان ، بمعنى واحد ، وكقول الله جل ثناؤه : ( وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ ) [ سورة آل عمران : 75 ] ، أي على قنطار . فكان تأويل الآية على معنى هؤلاء : أولئك الذين اختارُوا الضلالةَ على الهدى . وأراهم وجَّهوا معنى قول الله جل ثناؤه " اشْتَرَوا " إلى معنى اختاروا ، لأن العرب تقول : اشتريت كذا على كذا ، واسْتَرَيتُه - يَعْنُون اخترتُه عليه . ومن الاستراء قول أعشى بني ثعلبة ( 1 ) فَقَدْ أُخْرِجُ الكَاعِبَ الْمُسْتَرَا . . . ةَ مِنْ خِدْرِهَا وَأُشِيعَ الْقِمَارَ ( 2 ) يعني بالمستراة : المختارة . وقال ذو الرُّمة ، في الاشتراء بمعنى الاختيار : يَذُبُّ الْقَصَايَا عَنْ شَرَاةٍ كَأَنَّهَا . . . جَمَاهِيرُ تَحْتَ الْمُدْجِنَاتِ الْهَوَاضِبِ ( 3 ) . يعني بالشَّراة : المختارة .

--> ( 1 ) في المطبوعة " الاشتراء " بالشين المعجمة ، وهو خطأ ، صوابه بالسين المهملة . ( 2 ) ديوانه : 35 ، وطبقات فحول الشعراء : 36 ، واللسان ( سرا ) . وفي المطبوعة : " المشتراة " في الموضعين ، والصواب ما أثبتناه . والكاعب : التي كعب ثديها ، أي نهد ، يعني أنها غريرة منعمة محجوبة . وخدر الجارية : سترها الذي يمد لها لتلزمه بعد البلوغ ، وأشاع المال بين القوم : فرقه فيهم . وأراد بالقمار : لعب الميسر ، وعنى نصيب الفائز في الميسر من لحم الجزور ، يفرقه في الناس من كرمه . ( 3 ) ديوانه : 62 . والضمير في قوله " يذب " لفحل الإبل . ويذب : يدفع ويطرد . والقصايا ، جمع قصية : وهي من الإبل رذالتها ، ضعفت فتخلفت . وجماهير ، جمع جمهور : وهو رملة مشرفة على ما حولها ، تراكم رملها وتعقد . والمدجنات ، من قولهم " سحابة داجنة ومدجنة " ، وهي : المطبقة الكثيفة المطر . والهواضب : التي دام مطرها وعظم قطرها . شبه الإبل في جلالة خلقها وضخامتها بجماهير الرمل المتلبدة في رأي العين من بعيد